محمد حسن بن معصوم القزويني
28
كشف الغطاء عن وجوه مراسم الإهتداء
ثم من أخسّ مراتب النبات إلى أشرف أنواعه وهو النخل مثلا المتّصل بأخسّ أنواع الحيوان ، والمتّصف بأغلب صفاته المترتّبة على النفس الحيوانيّة كالضعيف من الدود وبعض أنواع الحشرات المتكوّنة في بعض فصول السنة دون بعض ، مراتب كثيرة شرفا ودونا . وكذا من أخسّ أنواع الحيوان إلى أشرفها كالصقر أو الفرس مثلا ، المتّصل بأدون أنواع الانسان مراتب موفورة شرفا وخسّة ، لكن جميع المراتب المتقدّمة مع شدّة اختلافها مشتركة في كون حركاتها طبيعية . ثم بعد هذه تناط الحركة بالإرادة النفسانيّة ، ولها أيضا مراتب غير محصورة ، فكلّما كان إدراكه أدون وأضعف كان أدون من حيث الشرف ، وكلّما كان وصوله من نقصان إلى كمال بتوسّط القوى والآلات أكثر وأظهر كان أعلى وأشرف ، إلى أن يصل إلى مقام الفناء والوحدة المحضة ، فيكون أشرف الموجودات ، ويتّصل به دائرة الوجود كالخط المستدير إذا بدأت بنقطة منه ثم ختمته بها فتنتفي الوسائط والترتيب والتضاد ، ويتّحد المبدأ والمعاد وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 1 » . فظهر ممّا ذكر أنّ المرتبة الإنسانية واقعة في بدو الفطرة في أوسط مراتب الموجودات ، وانّ للانسان طريقا إلى الأعلى بإرادته ، وإلى الأدنى بطبيعته ، فإن خلّى زمام أمره بيد طبيعته تنزل يوما فيوما ، وحفّ بالشهوات الرديّة ، وبقي في المرتبة الأدنى من مراتب الموجودات ، بحيث لا يوجد أدون منها في عالم الأكوان . وإن مال بإرادته إلى الطريق المستقيم والنهج القويم والعلوم الحقّة والمعارف الحقيقية والفضائل النفسانية وتوجّه إلى نيل الكمال المركوز في جبلّته واشتاق إلى السعادة الحاصل استعدادها في فطرته ، وصل تدريجا إلى المقام المحمود ، أعني مجاورة الملأ الأعلى والاستنارة بأنوار الحق تعالى . هي النفس إن تهمل تلازم خساسة * وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج
--> ( 1 ) الرحمن : 27 .